المادية الغربية ونزع الإنسانية من العام [1492 وحتى الآن] الجزء الأول

من طريقة تعامل العالم مع مشكلة اللاجئين في السنوات الفائتة؛ تتضح لنا رؤية غربية بشعة للإنسان، ربما لم نلاحظها سابقًا مع انبهار غير محدود بالتقدم المادي المنجز والمبهر مثل أي ضوء يسطع وسط الظلمات، تلك الرؤية -للأسف- لا ينظر بها الإنسان داخل المنظومة الغربية لمن خارجها فقط، بل ينظر بها أيضًا لمن يشاركه نفس موضع القدم، أي من يعيش معه داخل المنظومة نفسها.

لماذا إذًا العام [1492] هو ما نبدأ به بشكل محدد؟

في العام [1492] وصل [كريستوفر كولومبس] إلي أحد جزر [أرخبيل الباهامس] بالقرب من مدخل خليج فلوريد، واستطاع التواصل مع بعض هنود جزيرة [غواناهاني] الذين لم يسبق لهم أن سمعوا قبلًا [بيسوع المسيح] أو الإمبراطوريات الغربية، في نفس التوقيت الزمني كانت أوروبا تتحضر فيه لموجة الإصلاح البروستانتي.

وما بين الماضي والحاضر هناك دائمًا رابط يحتاج منا أن بدأ في تقفي أثره.

الذهب والفضة والاستعباد:

في كتابه الشهير [توصيف موجز عن تدمير الهنود] يقول الراهب [بارتولوميو لاس كاساس]:

“أرسل الرجال ليعملوا في مناجم الذهب والفضة، مقيدين معًا بأطواق حديدية، وعندما يموت رجل، يقص جسده من السلسلة، فيما يتابع زملاؤه العمل.

معظم الهنود لم يكونوا يستمرون أكثر من ثلاثة أسابيع في المناجم. وكانت النساء تغتصب وتشوه أمام أعين أزواجهن.”

القيمة النهائية التي وصل لها الاستعمار هي مناجم الذهب والفضة، واستعباد أخيه الإنسان لا كعامل بشري له حقوق، بل كآلة حين تنهار ترمي كخردة بالية لا تستحق النظر، ونسائه كألعاب جنسية تستعمل حتي الموت.

وهذه القيمة العجيبة تحتاج إلي تفكيك، خصوصًا في وسط اجتماعي كان يسيطر عليه حكم رجال الدين والقيمة الدينية الروحية، لكن الحقيقة أن سقوط رجال الدين في الفخ المادي كان قد حدث فعلًا، ففي حديث لـ[بارتولوميو] مع أحد الزعماء الهنود يقول: “قال لي أن إخواني الرهبان لا يعبدون إلا الذهب”.

وعلي لسان [بارتولوميو] نفسه يخبرنا أن الأسبان الذين معه رهبانًا كانوا أو طغاة، لا يرون في دم قتلاهم غير الذهب الذي سيسرقونه، وكل هذا كان يترابط في مشاهد داخل كتابه [المسيحية ووثائق إبادة هنود القارة الأمريكية علي أيدي المسيحيين الأسبان] حين كان يجمع القاتل والمبشر في مشهد واحد، ويسخر من المبشر الذي يفتح الطريق للقتلة من خلال دعوة الهنود بالأسبانية -التي ليست لغتهم-، وحين يأتي الفجر ينفتح حمام دم من الأطفال والنساء ومجموعة من المشانق تنقسم لثلاثة عشر مشنقة لكل مجموعة تكريمًا للسيد المسيح وحوارية الإثني عشر!

أو حين يهرع الكهنة بين الجثث يبحثون عن روح يتكرمون عليها بالتعميد قبل أن تصعد لبارئها، بينما  قامت نساء قبيلة [التوبي] -حين زارهم المستعمر الأسباني- بتغطية وجوههن ويبدأن بالبكاء تقديرًا للأسبان قائلات: “كيف حالك؟ لقد تكبدت عناء المجيء لزيارتنا!”، ثم يقدمن لهم مشروب التوبي المفضل وهو شراب مصنوع من من جذور بعض النباتات.

إذًا فالجانب الديني كان قد سقط قبل أن نفكر حتي في محاولة إيجاد الحل في داخله، وهذا ليس غريبًا خصوصًا مع النتيجة النهائية للراهب [بارتولوميو] والذي قرر أن يستقيل من كل مناصبه الدينية في النهاية.

الحضارة والبشرية والطبيعي:

أكد الطبيب [لوران جوبير] بعد فحصه خمس نسوة برازيليات من السكان الأصليين، أنهن لا يحضن وبالتالي فهن لا ينتمين تصنيفيًا إلي العرق البشري.

حاجج الوزير الكالفيني [ريشيه] أنهم لا يمتلكون حسًا أخلاقيًا قائلًا: “أذهانهم الفظة لا تميز بين الخير والشر”.

فيما قال الأسبان وهم يذبحون الهنود بضمير مرتاح وهم واثقين بمعرفتهم لماهية الإنسان الطبيعي: “نعجز عن فهم أي شيء من لغتهم، وعاداتهم، وحتي ملامحهم وملابسهم شديدة التباين عن ملامحنا وملابسنا. من منا لم يعز صمتهم إلي البلادة والجهل الوحشي.
في نهاية الأمر، إنهم… لا يدركون عادة تقبيل الأيدي، وانحناءاتنا المنخفضة والمعقدة.”(1)

من خلال الاقتباسات الثلاثة السابقة نستطيع فهم العقلية التي قامت بشق بطون الحوامل وقطعت الأطفال لتطعمهم للكلاب، ففي حالة الفهم الطبيعي -والتي يقصد بها المألوف- فهم غير قابلين للقياس الطبيعي، وبالتالي فانتزاع الصفة البشرية منهم لأنهم غير طبيعي وتصرفاتهم غير مؤلوفة هو النتاج المنطقي، وتعريف هذا النتاج المنطقي هو (الوحشيين-الهمج).

إذًا هل يمكن للهمج الوحشيين إقامة الحضارة؟ هل يمكنهم فهم الآداب العامة، وتنوع الملابس والإحساس؟ هل يمكنهم إدراك الحد الأدنى من الوعي بالوعي؟

الإجابة علي هذا كله غير مهمة، فصرخات الأطفال وبكاء النساء، وعمل الرجال بالأمر، كان يدل علي وجود الحالة الإدراكية الإنسانية، ألم يدرك الأسبان وهم يدمرون حضارتي [الآزتك] و[الإنكا] وجود حضارة تعبر عن اختلاف إدراكي من خلال نوعية المباني المرئية؟ ألم يكونوا يعرفون وجود حضارات أخري تتحدث بلغات أخري غيرهم؟

إذًا فالسؤال ليس في إجابة الأسئلة بل في التفكير، في نوعية النقل الإنساني من الإنسانية للمادة، من تعاملهم معه علي أساس التراحم البشري إلي وضعهم بجوار الحيوانات المتوحشة.

كانت بداية الحداثة الغربية في الاستعمار تظهر أسوء ما فيها بشكل مرعب، فلم يكن علم معرفة الآخر قد وُجد بعد، وبالتالي كان المستعمر لا يجد رابط مع الآخر، ولا يفكر في محاولة إيجاد هذا الرابط، وهذا في عالم الأشياء كمن يحاول إيجاد رابط بين بشري وطبق بلاستيك، وبالتالي لا تستطيع أن تلومه علي هذا، ولأنه لم ينتقل بعد لعالم الأشياء بالكامل -بخلاف الوقت الحاضر- فقد وجد بعض الأشخاص الطريق إلي قلوب بشر آخرين لا يتشاركون معهم نفس اللغة، أو الفكر، أو الحضارة، أو حتي الأفكار الثقافية، والتي تتمثل أبسطها في فكرة ارتداء الملابس نفسها!

وقبل نهاية المقال اسمح لي بإعطائك إحصائية تشرح لك كل هذا الكلام، في القرن السادس عشر الميلادي وبالأسلحة النارية المتخلفة وبعض السيوف والمدافع البارودية، ومن خلال تفريق الهنود ووضعهم في عزلة، استطاع الأسبان -بجهد يحسدون عليه- بين عامي [1533] و[1588] -أي في خمسين سنةً تقريبًا- تقليل عدد السكان الأصليين في العالم الجديد من [80مليونًا] إلي [10ملايين] شخٍص تقريبًا.

———————————————————————————-

(1) الاقتباسات الثلاثة من كتاب [عزاءات الفلسفة]


صورة لـ[كريستوفر كولومبوس] وهو يهدد السكان الأصليين بأخذ القمر
حرق بعض الهنود الحمر أحياء بينما يقوم الكاهن بتعميدهم

المراجع

1. الإسلام بين الشرق والغرب [علي عزت بيجوفيتش]

2. عزاءات فلسفية [آلان دو بوتون]
3. المسيحية و السيف…وثائق إبادة هنود القارة الأمريكية على ايدي المسيحيين الاسبان – سلسلة من اجل الحقيقة ج2 [برتولومي دي لاس كاساس]

4. الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان [عبدالوهاب المسيري]

5. بين الغرب والشرق أو المادية والروحانية[مقال]

6. Stanford Encyclopedia of Philosophy

7. الشعوب الأصلية في الأمريكتين