American Psycho [مختل أمريكي] وقناع البشرية الساقط!

“أؤمن بالاهتمام بنفسي” كانت جملة الفيلم الافتتاحية، ومنها فُتحت لنا نافذة علي الأساس النفسي لبطلنا العزيز [باتريك بيتمان]، حيث يتميز بنرجسية طاغية تجعله يبحث عن الكمال والتفوق، ومنها تظهر مشاعر الضيق والحقد والتفرد.

American Psycho Christian Bale

التفرد والتفوق:

في مشهد عبقري إخراجيًا، ولحظة انتهاء بطلنا من سرد تفاصيل حياتية متميزة، يدخل عليه [آلن] ليناديه بإسم زميل آخر لهم، وهو [ماركوس هالبسترام]، وتتجرد عبقرية المشهد في كلمة واحدة وهي “التشابه” ففي هذه اللحظة فقد [باتريك] كل تفرد وتفوق حاول أن يبهرك به من لحظة تعريفه عن نفسه، فما هو إلا نسخة أخري بين عدة نسخ شبيهة تتحرك داخل المكتب.

ولم ينتهي الأمر بعد، ففي محاولة أخيرة ليظهر تفوقه قرر أن يخرج بطاقة تعريفه الوظيفي، المكتوبة بخط مختار ومطبوعة علي ورق غال، وحينها يُظهر جميع من بالمكتب بطاقات التعريف عن انفسهم، فتكون متماثلة باختلافات طفيفة كاللون، ويبدأ [باتريك] في الارتباك والشحوب، فهو ليس متفردًا فقط بل أيضًا تفوقه زائف وليس مميزًا.

اضطراب العوالم:

يقرر [باتريك] الذهاب للشرب مع أصدقائه، ويحاول الدفع ببطاقة شرائية وترفضها النادلة قائلة “نحن نقبل النقد فقط”، مما يجعل [باتريك] يخرج من اعصابه ويقول: “أيتها القبيحة اللعينة، أريد طعنك حتى الموت وأن ألعب في بحر دمائك!”، وهنا لا تتحرك النادلة ساكنًا وكأنها لم تهُدد أو ينهل عليها أحدهم بوابل من الشتائم!، فيتضح لنا أن مخرجتنا المبدعة قد تركت لنا تحذيرًا مبدئيًا عن كون الفيلم عبارة عن ترجمة أفكار ومشاعر [باتريك] الخاصة اتجاه الناس، وليس بالضرورة ان يكون كل ما سترآه حقيقيًا.

وهنا تتضح لنا فكرة المزج في وعي [باترك] بين رغبته وحقيقته، بين كونه القناع الفارغ أو شخص لا يشفي شغفه غير الدماء والمذابح، بين المثير والمدير والإنسان وبين القاتل والمنحرف والحاقد. وينهار الفارق تمامًا حين يقرر [باتريك] أن يقتل [آلن] الناجح وصاحب النفوذ لدرجة الحجز في مطعم [دورسيا]، وصاحب الشقة الأجمل المطلة علي الحديقة، وحين يقتل أيضًا المتشرد الذي فقد وظيفته بسبب ادمانه للشرب، ويمثل القتلان مشاعر الحقد والاحتقار اللذان يملكهما [باتريك].

المادية والنرجسية:

في واحدة من الحوارات العبثية يفند [باتريك] مشكلة الوجود والمجتمع، ويطرح معهما الحل، لكنه يمر مثل الكلام في وسط أي كلام، والفكرة من هذا المشهد هو توضيح حقيقة [باتريك] الفكرية، فهو ذكي ويتمتع بمقدار معقول من التحليل الفلسفي، ولكن شخصيته الحقيقة الذكية والمتميزة صاحبة الفكر الفلسفي لا تظهر إلا حين يقرر أن يسد شهواته الحيوانية، فتضيع كلماته وسط آهات الجنس والباغيات، فلا يهم ذوقه الموسيقي أو أفكاره عنها حين يكون العالم منغمسًا في اللذة، أو حين يرتدي بذلة إيطالية غالية ويركب الليموزين، ففي وسط عالم رأسمالي مادي، لا يقاس المرء إلا بالحساب البنكي، ولا يقدر إلا من خلال تفوقه العملي.

مريض أم مجرم:

من وجهة نظري فبطلنا هو نسخة من الإنسانية اليوم، فلا هو مجرم أو مريض، فلو فكرت في أول قتلين لـ[باتريك] ستجد أنها تتمثل في محق الفردية والحق، فـ[بآلان] قد ألغي وجود [باتريك]حين لم يميزه عن زمليهما، فأحس باتريك لحظتها بالحقيقة المتمثلة في ان فرديته التي يحاول أن يبنيها تحتاج للاعتراف من الآخرين، وأن قتله للعجوز السكير المتشرد هو محاولة لإرضاء رغبته النرجسية في التفوق والعلو، ومن هم أقل فهو يحتقرهم ولا يبالي.

والحقيقة هنا تظهر في النهاية حين يخبرنا “ألمي ثابت حاد “، لأنه كان يتمزق تائهًا بين اعتراف الآخرين أو تشبهه بهم، وهي سمة منتشرة الأن بين جيل الحداثة، حين يبحث عن الاعتراف بهويته خارج قبول المجتمع، فتري جميع السائرين نسخًا تعتقد أنها تتميز عن بعضها، وتعاني مثل بطلنا من أفكار انتقامية رغبة في إرضاء نرجسيتهم المؤلمة.

وفي خاتمة المقال أقتبس من الفيلم علي لسان شخصيتنا الرئيسية:

” لا يوجد أي حدود يمكن تجاوزها الآن، كل الصفات المجنونة والغير متحكم فيها التي املكها والوحشية والشريرة، كل التشويه والدمار الذي تسببت وكل لا مبالاتي بهذا فقد تجاوزته الأن.

ألمي ومعاناتي غير منقطعة وقوية، ولا آمل في عالم أفضل لأي أحد. في الواقع، أريد لآلامي أن تنعكس على الآخرين ويحسوا به، لا أريد أن يهرب منه أحد، ولكن حتى بعد الاعتراف بذلك لا أشعر بالتطهر، عقابي يستمر في خداعي وإيهامي، ولا أكتسب أي معرفة عميقة عن نفسي، ولا يمكن أن أستخلص أي خبرة جديدة من اعترافي، هذا الاعتراف ببساطة كان يعني …. لا شيء!”